مؤتمر جامعة عين شمس الخامس للآثار: مستقبل المدن التراثية على طاولة النقاش

انطلقت أعمال المؤتمر الخامس للآثار بجامعة عين شمس، محمّلة بأسئلة مصيرية حول قدرة المدن التراثية على الصمود في عالم يتسارع.
صراع الهوية في عصر الرقمنة
لا تبحث الجلسات عن مجرد ترميم حجارة، بل عن نموذج حياة. كيف تحفظ روح مكانٍ عمره قرون بينما تتطلّع عيون سكانه إلى مستقبل من الألياف الضوئية والمدن الذكية؟ التحدي الحقيقي ليس في منع التآكل، بل في منع الانزياح الثقافي.
التمويل: الحلقة المفقودة (أو المُتعمّد إغفالها)
تتحدّث الأوراق البحثية عن منهجيات الحفظ المستدام، لكنّ الصمت يكاد يُسمع عند سؤال: من سيدفع الفاتورة؟ بينما تضخّ الحكومات مليارات في مشاريع مترو أنفاق جديدة، تبقى ميزانيات التراث تتضوّر جوعاً – وكأنّ الاستثمار في الماضي لا يُعتبر عائداً على الاستثمار، إلا إذا حوّلته إلى فندق فاخر أو مجمّع تجاري. لعلّ بعض المدن تحتاج إلى طرح سنداتها التراثية في البورصة كي تُقدّر قيمتها الحقيقية.
المستقبل ليس نسخة طبق الأصل
الخلاصة التي تفرض نفسها: حماية التراث لم تعد تعني تحنيطه. مستقبل هذه المدن مرهون بقدرتها على أن تكون طبقات حية من التاريخ – حيث يعمل واي-فاي فوق أساسات رومانية، وحيث لا يتناقض الحفاظ على واجهة أثرية مع وجود كوفي شوب عصري بداخلها. النجاح سيكون لمن يفهم أن التراث ليس عبئاً يحمله، بل محركاً اقتصاديًا واجتماعياً يُشغّل. الفشل سيكون من نصيب من يعتقد أن الجدران وحدها كافية للبقاء.
مؤتمر جامعة عين شمس الخام
للآثارافتتح المؤتمر في قاعة المؤتمرات MPU بمبنى IHUB، بحضور نخبة من الأساتذة والخبراء المتخصصين في مجالات الآثار والترميم والحفاظ على التراث.
أهداف المؤتمر ورؤية جامعة عين شمس نحو الجيل الرابع
أكد أ.د حسام طنطاوي أن مؤتمر هذا العام يعكس التزامبمواكبة معايير الجامعات العالمية والاعتماد المؤسسي، مشددًا على أهمية حماية التراث العمراني المصري، وموازنة التطوير مع الحفاظ على الهوية التاريخية للمدن.
وأضاف أن المؤتمر يسعى لاستكشاف طرق دمج الابتكار والتقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي في ترميم وصيانة المدن التراثية، فضلًا عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتسويق والتركيز على المشاركة المجتمعية.
وكما أشار العميد إلى أن المؤتمر يتضمن خمس جلسات علمية رئيسية، إلى جانب الجلستين الافتتاحية والختامية، ويشارك فيها 30 متحدثًا وباحثًا من تخصصات مختلفة، ويضم 26 ورقة بحثية و2 ملصق علمي.
التراث العمراني ودوره في التنمية المستدامة
وفي كلمته، وصف أ.د أحمد الشوكي المدن التراثية بأنها كائن حي ينمو بالنشاط البشري، مشددًا على ضرورة تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية.
وأوضح أن الاقتصاد الإبداعي والتكنولوجيا الرقمية يمكن أن يساهما في الترويج للتراث المصري عالميًا عبر الميتافيرس والواقع المعزز، وتحويل المباني الأثرية إلى فضاءات ثقافية واقتصادية منتجة.
وأشار الشوكي إلى المشاريع الكبرى التي تشهدها مصر لإحياء التراث، مثل تطوير القاهرة التاريخية، مشروع الفسطاط، سور مجرى العيون، والمتحف المصري الكبير، مؤكدًا أنها تمثل إطارًا ملهمًا لرؤية المؤتمر العلمية.
اكتشافات أثرية جديدة وأبحاث جامعة عين شمس
قدمت المحاضرة الافتتاحية للدكتور ممدوح الدماطي، وزير الآثار الأسبق، تفاصيل مشروع حفائرفي منطقتي المطرية وعرب الحصن، مشيرًا إلى الاكتشافات المهمة التي أعادت رسم صورة جديدة لمعابد الشمس في مدينة هليوبوليس القديمة.
وأكد أن النتائج تعكس احترافية الباحثين والطلاب، وتعزز دور الجامعة في حماية التراث وصون الهوية المصرية.
جلسات علمية وتوصيات لتعزيز التراث
تناولت الجلسات العلمية تقنيات البناء والترميم، استدامة المدن التراثية، وثائق البرديات اليونانية والرومانية، وتأثير العوامل البيئية على القاهرة التاريخية، إضافة إلى قضايا التراث العربي عبر العصور.
واختتم اليوم الأول بعرض توصيات لتعزيز دور المدن التراثية في التنمية المستدامة وتحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية التاريخية.
أكدت الجامعة والكلية استمرار دعم المشروعات البحثية المتخصصة، وإتاحة نتائج الأبحاث للاستفادة منها في خطط التطوير المستقبلية، كما كرّم أ.د حسام طنطاوي الرعاة لدعمهم الفعلي للمؤتمر.