من السوربون.. د. الخشت يعيد بناء علاقة الدين والعلم - لماذا يهم هذا كل متداول عملات رقمية؟
باريس تشهد زلزالاً فكرياً لا علاقة له بأسواق الأسهم المتعثرة.
جسر فوق الفجوة القديمة
لا يتعلق الأمر بخطوط ترند أو مؤشرات RSI، بل بعلاقة عمرها قرون. من قلب جامعة السوربون العريقة، يقدم د. محمد عثمان الخشت رؤيةً تعيد صياغة الحوار بين مجالين طالما ظنا أنهما على طرفي نقيض: الدين والعلم.
لماذا يجب أن تهتم وول ستريت الكريبتو؟
لأن الأسواق تُبنى على السرديات. والصراع المُتصور بين الإيمان والتقدم التكنولوجي كان أحد أكبر العوائق النفسية أمام تبني تقنيات جديدة على نطاق واسع. إعادة بناء هذه العلاقة لا تعني محاضرة في الفلسفة؛ إنها إزالة لعقبة منهجية كبرى أمام الابتكار. تخيل سوقاً حيث لا يُنظر إلى التشفير والبلوكتشين على أنها تمرد ضد الأنظمة القديمة، بل كتطور طبيعي ضمن إطار فكري متناغم.
التطبيقات تتجاوز الكتب
هذا الحوار الجديد يخلق أرضية للتمويل الإسلامي الرقمي (Islamic FinTech)، ويدفع نحو وضع أطر أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، ويفتح الباب أمام استثمارات مؤسسية كانت تتردد بسبب مخاوف تتعلق بالتوافق. إنه تحول في المناخ الفكري الذي تعمل فيه جميع التقنيات المالية، بما فيها الأصول الرقمية.
الخلاصة: أكثر من مجرد حديث
في عالم غالباً ما يقدس المضاربة السريعة، يأتي هذا العمل كمذكرّة: أقوى التقنيات تحتاج إلى أعمق الأسس. بينما تنشغل البورصات التقليدية بمراجعة توقعات الأرباح للربع القادم، فإن إعادة ربط العلم بقيمه الإنسانية الأوسع هي الاستثمار طويل الأجل الحقيقي. قد لا يرفع سعر البيتكوين غداً، ولكنه يبني السكة التي ستسير عليها قطارات الابتكار لعقود قادمة. وبصراحة، إنه عرض أكثر عقلانية من معظم وثائق العرض الأولي للعملات (ICOs) التي رأيناها.
من السوربون.. د. الخشت يعيد بناء علاقة الدين والعلم
ألقى الدكتور محمد عثمان الخشت، عضو المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية ورئيس جامعة القاهرة السابق، محاضرة فكرية رئيسة في الجلسة الأولى من المؤتمر الدولي الثالث “المعتقد والعلم والعقل"، الذي نظمه المعهد الفرنسي للدراسات الإسلامية وجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، واستضافته جامعة السوربون بباريس، تحت رعاية الدكتور خليفة الظاهري، وبحضور الدكتور فيليب باتيست وزير التعليم العالي والبحث والفضاء الفرنسي، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين الدوليين.
العقل أولًا.. نحو “مربع جديد" بين الدين والعلم
وجاءت محاضرة الدكتور الخشت بعنوان "المعتقد الديني والعلم الوضعي: نحو مربع جديد"، حيث قدّم رؤية فلسفية ومنهجية معمقة تهدف إلى نقل النقاش من ثنائية الصراع إلى نموذج يقوم على الشراكة المعرفية والتكامل الأخلاقي.
وشدد على ضرورة التمييز المنهجي بين المعتقد الديني بوصفه نظامًا يقوم على الوحي والغيب، وبين العلم الوضعي باعتباره معرفة تجريبية قائمة على الملاحظة والاختبار، معتبرًا أن الخلط بين المجالين هو أصل الإشكالات التاريخية.
التعليم وإعادة تشكيل العقل
وأكد الدكتور الخشت أن إصلاح التعليم هو المدخل الأكثر فاعلية لتجاوز الأنماط الذهنية التقليدية، وترسيخ التفكير النقدي القادر على مواجهة جميع أشكال التطرف.
ولفت إلى أن التعليم ليس نقلًا للمعلومات، بل عملية بناء للعقل وتشكيل للوعي، وأن غياب التفكير النقدي يفتح الباب أمام التأويلات المتطرفة والتفكير الخرافي.
الغزالي واستقالة العقل
وفي طرح تفكيكي جريء، حمّل الدكتور الخشت الإمام أبا حامد الغزالي مسؤولية تاريخية عن لحظة «استقالة العقل»، معتبرًا أن إنكار السببية الطبيعية أسهم في إضعاف الثقة بقوانين الطبيعة، وفتح المجال أمام هيمنة الرؤية السحرية للعالم.
وكما انتقد كتاب «إحياء علوم الدين» لما رسخه - بحسب رؤيته - من أنماط تدين تهمش العقل البرهاني والعلوم الطبيعية.
لا تعارض حتمي بين الدين والعلم
وأوضح الدكتور الخشت أن العلم لا ينتج بالضرورة إيمانًا أو إلحادًا، بل تُحمَّل نتائجه دلالات أيديولوجية بحسب القراءة الفلسفية، مؤكدًا أن قوانين الطبيعة لا تتناقض مع سنن الله، بل تمثل آليات يسعى العلم لفهمها.
ودعا إلى شراكة جديدة بين الدين والعلم، تُعيد الاعتبار للعقلانية البرهانية دون مصادرة دور الإيمان.
وفي ختام المؤتمر، جرى تكريم الدكتور محمد عثمان الخشت ومنحه شهادة تقدير تؤكد رفيع المستوى العلمي لمحاضرته، في القاعة التاريخية لويس ليار بجامعة السوربون، في احتفاء يعكس أهمية الطرح ودلالته الإنسانية العالمية.