الكويت تشن حملة قوية ضد تعدين العملات الرقمية وسط أزمة كهرباء وتشريعات غامضة
في خطوة صارمة، تشن الكويت حملة ضد عمليات تعدين العملات الرقمية وسط أزمة كهرباء متصاعدة وغياب تشريعات واضحة.
مع ارتفاع فواتير الكهرباء، تتجه الأنظار نحو المعدنين الذين يستنزفون الشبكة - بينما تغيب القوانين التي تنظم هذا القطاع.
هل هذه نهاية حقبة التعدين في الكويت؟ أم أن اللاعبين الكبار سيجدون طريقة للالتفاف - كما يفعلون دائماً في لعبة المال والسلطة.
ضغط متفاقم على شبكة الكهرباء بسبب مزارع تعدين العملات الرقمية
أكدت وزارة الداخلية أن مزارع تعدين العملات الرقمية تمثل "استغلالًا غير مشروع للطاقة الكهربائية"، وقد تسببت بانقطاعات جزئية أثّرت على الأحياء السكنية والمرافق الخدمية الحيوية.
في منطقة الوفرة وحدها، ضبطت السلطات أكثر من 100 منزل جُهّزت كمراكز تعدين، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة في الأشهر القادمة.
وترجع أسباب الضغط المتزايد على الشبكة إلى عوامل متداخلة، من بينها النمو السكاني، التوسّع العمراني، الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة، إلى جانب تأخّر الصيانة في محطات التوليد، ما جعل البنية التحتية أقل قدرة على مجابهة أي استهلاك زائد.
نشاط غير منظم يستغل الدعم الحكومي
تُعد الكويت من بين الدول التي تقدّم دعمًا سخيًا للكهرباء، ما يجعل تكلفة الطاقة منخفضة جدًا مقارنة بدول أخرى. وقد كشفت وزارة الكهرباء أن بعض منشآت تعدين العملات الرقمية تستهلك ما يصل إلى 20 ضعفًا من استهلاك المنزل العادي.
في ظل هذا الواقع، أصبحت البلاد وجهة جذابة لشبكات تعدين العملات الرقمية التي تبحث دومًا عن مواقع منخفضة التكلفة، وهو نمط عالمي معروف في هذا القطاع، إذ سبق لدول مثل كوسوفو وروسيا أن فرضت قيودًا صارمة على التعدين حماية لشبكاتها الوطنية.
نتائج مشجعة للحملة... ولكنها ليست كافية
أعلنت وزارة الكهرباء عن تراجع استهلاك الطاقة بنسبة 55% في منطقة الوفرة بعد الحملة الأمنية، ما يعكس حجم الضغط الذي تسبّبت به عمليات تعدين العملات الرقمية. وتُقدّر قيمة الطاقة المُهدرة قبل الحملة بنحو 15 مليون دينار كويتي.
غير أنّ هذه النتائج الأولية، وإن كانت مشجعة، لا تُغني عن الحاجة لتشريعات تنظم هذا النشاط المستجد. ويرى الخبراء أن أي تحرك أمني أو تنظيمي سيكون مؤقت الأثر إذا لم يُدعّم بإطار قانوني شامل ومستدام.
آراء الخبراء: فراغ قانوني وتبعات أمنية واقتصادية لتعدين العملات الرقمية
أثار تصاعد النشاط غير المنظّم جدلًا قانونيًا واسعًا في الأوساط الكويتية. ويرى الدكتور محمد بوزبر، أستاذ القانون الجزائي في كلية الحقوق بجامعة الكويت، أنّ التشريعات القائمة غير مهيأة لمواجهة ظواهر رقمية حديثة كالتي يمثلها نشاط التعدين.
وأوضح أن قوانين مثل الجزاء والاتصالات والصناعة، وإن أمكن تكييفها على بعض الوقائع، فإنها تعاني من نقص واضح في توصيف الفعل المجرّم، وتحديد عناصر الجريمة وعقوباتها بدقة.
ويُضيف بوزبر أن تزايد هذه الأنشطة دون إطار تنظيمي يشكّل تهديدًا واضحًا لشبكات الكهرباء، والاتصالات، وحتى للأمن البيئي، نظرًا لما تُخلّفه هذه العمليات من انبعاثات حرارية واستهلاك مفرط للطاقة.
أما المستشار نواف الشريعان، فيُحذّر من كون تعدين العملات الرقمية قد يشكّل، وفق القوانين الحالية، جريمتَي سرقة كهرباء وغسل أموال، خاصة إذا كان مصدر التيار غير مرخّص أو تم التلاعب بعدادات الكهرباء.
وأشار إلى أن العملات الرقمية تُعامل قانونيًا كأصول افتراضية لا كنقد، ما يُصعّب ملاحقة أنشطتها قضائيًا وفق القواعد النقدية الكلاسيكية.
ودعا إلى وضع إطار تشريعي شامل يُحدّد ما إذا كانت الدولة تعتزم تقنين النشاط أو تجريمه بشكل نهائي، مع تنظيم مسألة التراخيص وضبط المعايير التقنية والمالية المرتبطة بها.
من جانبه، قال المحامي د. حسين العبدالله إن غياب نصوص صريحة ينظّم التعدين يترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متباينة أمام القضاء.
وأوضح أن الوضع الحالي يضع السلطات بين خيارين: إما المضي في سياسة الحظر والتجريم عبر تكييف قوانين عامة، أو سن قانون خاص يُحدّد شروط العمل بـتعدين العملات الرقمية، ويتيح للدولة مراقبة النشاط والاستفادة من عائداته، على غرار ما قامت به دول مثل الإمارات.
دراسة كامبريدج: التأثير أكبر من الحجم
رغم أن الكويت لا تمثل سوى 0.05% من عمليات تعدين البيتكوين عالميًا، بحسب دراسة لجامعة كامبريدج، إلا أن هذه النسبة الضئيلة لها أثر ملحوظ على شبكة كهرباء صغيرة مثل تلك المتوفرة في الكويت.
وأوضح الباحث أليكس دي فريس-غاو Alex de Vries-Gao، مؤسس Digiconomist المختصة بتتبع استهلاك الطاقة في تعدين العملات الرقمية، أن مجرد زيادة طفيفة في استهلاك الطاقة من قبل المعدّنين يمكن أن تشكل عبئًا كبيرًا في دول ذات بنية تحتية متواضعة.
وأشار إلى أن "البيتكوين لا يحتاج إلى الكثير من الدول لتحقيق نشاطه العالمي، بل إلى قلة من المناطق الرخيصة كهربائيًا"، مؤكدًا أن الكويت من بين هذه المناطق التي تُعد جذابة من ناحية التكلفة ولكنها غير مهيّأة بنيويًا لتحمّل هذا النوع من الضغط الطاقوي.